ابن عجيبة

218

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

هذه الحضرة ( قالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا اللّه ) ، تحققوا أنهم محمولون بسابق العناية ، محفوفون بعين الرعاية ، فتحققوا بما جاءت به الرسل من عند اللّه ، وما نالوه على يد أولياء اللّه من الذوق والوجدان ، وكشف الغطاء عن عين العيان ، منحنا اللّه من ذلك حظا وافرا ، بمنّه وكرمه . ثم ذكر تبجح أهل الجنة على أهل النار ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 44 إلى 47 ] وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 44 ) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ ( 45 ) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ ( 46 ) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 47 ) قلت : ( أن ) : في هذه المواضع : مخففة من الثقيلة ، أو : تفسيرية ، وحذف مفعول : ( وعد ) الثاني ؛ استغناء بمفعول وعد الأول ، أو لإطلاق الوعد ، فيتناول الثواب والعقاب . يقول الحق جل جلاله : وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا من النعيم حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ أنتم ما وَعَدَ رَبُّكُمْ من البعث والحساب حَقًّا ، إنما قال أهل الجنة ذلك ؛ تبجحا بحالهم ، وشماتة بأصحاب النار ، وتحسيرا لهم ، فأجابهم أهل النار بقولهم : نَعَمْ ، قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ، فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ بين الفريقين : أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ؛ الكافرين ، الَّذِينَ يَصُدُّونَ الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وهي الإسلام ، وَيَبْغُونَها أي : يطلبون لها عِوَجاً ؛ زيغا وميلا عما هو عليه من الاستقامة ، أو يطلبونها أن تكون ذات عوج ، وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ أي : جاحدون . وَبَيْنَهُما أي : بين الفريقين حِجابٌ ، أو بين الجنة والنار حجاب ، يمنع دخول أثر أحدهما للأخرى ، وَعَلَى الْأَعْرافِ ؛ وهو السور المضروب بين الجنة والنار ، رِجالٌ ؛ طائفة من الموحدين استوت حسناتهم وسيئاتهم ، كما في الحديث . وقال في الإحياء : يشبه أن يكونوا من لم تبلغهم الدعوة في أطراف البلاد ، فلم تكن لهم معرفة ولا جحود ولا طاعة ولا معصية ، فلا وسيلة تقربهم ، ولا جناية تبعدهم ، ولهم السلامة فقط ، لا تقريب ولا تبعيد . ه . قلت : لكن سيأتي أنهم يدخلون الجنة .